ابن قيم الجوزية
550
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
فهذا تقدير كلامه « 1 » ، على أن فيه مقبولا ومردودا ، ولا معنى لتعلق هذه الصفة بالرب تعالى البتة ، وأما تعلقها بالخلق : فصحيح . نعم ههنا مقام اشتباه وفرق . وهو أن المحب الصادق : لا بد أن يقارنه أحيانا فرح بمحبوبه . ويشتد فرحه به . ويرى مواقع لطفه به ، وبره به ، وإحسانه إليه ، وحسن دفاعه عنه ، والتلطف في إيصاله المنافع والمسار والمبارّ إليه بكل طريق ، ودفع المضار والمكاره عنه بكل طريق . وكلما فتش عن ذلك اطلع منه على أمور عجيبة . لا يقف وهمه ومقتبسه لها على غاية . بل ما خفي عنه منها أعظم . فيداخله من شهود هذه الحالة نوع إدلال وانبساط . وشهود نفسه في منزلة المراد المحبوب ، ولا يسلم من آفات ذلك إلا خواص العارفين . وصاحب هذا المقام نهايته : أن يكون معذورا ، وما يبدو منه من أحكامه بالشطحات أليق منه بأحكام العبودية . ولم يكن لأحد من البشر في منزلة القرب والكرامة والحظوة والجاه : ما لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من ربه تبارك وتعالى ، وكان أشد الخلق للّه خشية وتعظيما وإجلالا . وحاله كلها مع اللّه تشهد بتكميل العبودية ، وأين درجة الانبساط من المخلوق من التراب ، إلى الانبساط مع رب الأرباب ؟ . قال : الدرجة الثالثة الانبساط مع رب الأرباب . نعم لا ينكر فرح القلب بالرب تعالى وسروره به ، وابتهاجه وقرة عينه ، ونعيمه بحبه ، والشوق إلى لقائه : إلا كثيف الحجاب ، حجري الطباع ، فلا بهذا الميعان . ولا بذاك الجمود والقسوة . وبهذا ومثله طرق المتأخرون « 2 » من القوم السبيل إليهم . وفتحوا للمقالة فيهم بابا ، فالعبد الخائف الوجل المشفق الذليل بين يدي اللّه عزّ وجلّ ، المنكس الرأس بين يديه ، الذي لا يرضى لربه شيئا من عمله : هو أحوج شيء إلى عفوه ورحمته . ولا يرى نفسه في نعمته إلا طفيليا . ولا يرى نفسه محسنا قط . وإن صدر منه إحسان : علم أنه ليس من نفسه ، ولا بها ولا فيها . وإنما هو محض منة اللّه عليه ، وصدقته عليه . فما لهذا والانبساط ؟ . نعم انبساطه انبساط فرح وسرور ورضى وابتهاج . فإن كان المراد بالانبساط هذا : فلا ننكره « 3 » ، لكنه غير الاسترسال المذكور ، والاستشهاد عليه بالآية يبين مراده . واللّه أعلم .
--> ( 1 ) وقد يفهم من كلامه المعنى الصوفي . لأنه يتكلم بلسان الصوفية . ولتعرفنهم في لحن القول . واللّه يعلم إسرارهم . وأهدى الأحوال وأوضحها وأنورها حال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، الذي كان يسمع لصدره أزيز كأزيز المرجل وهو في الصلاة يناجي ربه . فمرحبا وأهلا . وعلى العين والرأس . وأف وتف على البدعة والمبتدعين . ( 2 ) البسط وإدلاله في كلام المتقدمين منهم أكثر ولكنه كان بلسان الخائف من صولة القرآن وسيفه المصلت . فلما ضعفت صولة القرآن وأغمد سيفه في التقليد الأعمى والهجران أفصحوا وصرحوا . واللّه المستعان . ( 3 ) لكن هل تؤدي كلمة « الانبساط » إلا المعنى الصوفي الذي تنكره ؟ وليس الشأن في التماس مخارج سليمة لهم . إنما الشأن في صريح عباراتهم وما معها من القرائن .